الأنشطة - لقاءات المستقبل

الخيال السياسي:

تنمية التفكير الإبداعي في استشراف المستقبل

الخميس, 03 مارس, 2016

الخيال السياسي:

استضاف مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والخبير في علم الاجتماع السياسي، يوم 16 فبراير 2016، وذلك في لقاء عام تحت عنوان: "الخيال السياسي: المنابع والمحفزات والمعوقات والتوظيف".

وقد بدأ المحاضر بالإشارة إلى أن الخيال السياسي Political Imagination هو موضوع مازال في طور التطوير، في ظل محدودية الكتابات النظرية الرصينة، سواء عربية أو أجنبية، في هذا المجال، فربما لا يوجد غير كتاب عن الخيال الاجتماعي العلمي، الذي يعد قريباً إلى حد ما من فكرة الخيال السياسي.

ويختلف الخيال السياسي عن المستقبل السياسي، والتنجيم السياسي الذي توظفه بعض أجهزة المخابرات لإشاعة فكرة وترسيخها داخل المجتمع. وهناك الأساطير السياسية، وهي موجودة في مجال الأنثروبولوجي، وكذلك الوهم السياسي، وهو التفكير خارج الممكن أو المتاح، ولكن الخيال السياسي يتجاوز هذه التصورات جميعها.

وظائف البحث العلمي

في إطار حديثه عن مجال بحثي جديد، أشار د. عمار علي حسن إلى أربع ملحوظات أساسية عن وظائف البحث العلمي، وملكات العقل البشري، وأهمية الخيال السياسي، وذلك كالتالي:

1- تتحدد وظائف البحث العلمي في سبع وظائف أساسية، هي: (جمع المتفرق، واختصار المسهب، وتطويل المختصر، وإتمام الناقص، وتجلية الغامض، ونقد السائد، وإبداع الجديد).

2- تتحدد ملكات العقل البشري في (التذكر، والفهم، والربط، والإدراك، والابتكار). ففي مساحة نقد السائد، وإبداع الجديد، والابتكار، نحتاج إلى الخيال. وكما أن البرهان له دور في العلوم الإنسانية، فالحدس أيضاً له دور، وهذا ما يفرق بين باحث وآخر، فالباحث الذي يتمتع بالحدس والبصيرة في مواجهة التقيد بالموجودات المادية فقط والوقوف عندها يضيف لتحليله عمقاً وتميزاً كبيرين.

3- كل ما يُقال عن الخيال السياسي، هو من قبيل البحث الإنساني قيد التشكل، والعلوم الإنسانية، بما في ذلك الراسخة، لا يمكن أن نتحدث فيها عن حسم أو دقة بالغة، بل نقترب منها.

4- أثبتت المرحلة الماضية وما آلت إليه المنطقة العربية أن الخيال السياسي مسألة مهمة، وإذا كان لدى قادة المنطقة خيال سياسي، لكانوا فهموا أنه بعد التغيرات التي شهدتها أوروبا الشرقية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ستهب رياح التغيير على المنطقة العربية، ومن ثم كانوا شرعوا في عملية الإصلاح الطوعي.

منابع الخيال السياسي

حدد الدكتور عمار منابع الخيال السياسي في أحد عشر منبعاً، وهي كالتالي:

1- استقراء التاريخ: فكما أن الخيال نظرة إلى الأمام، فالذاكرة هي قراءة للخلف، ولا يمكن أن تجد خيالاً من دون ذاكرة، فاستقراء التاريخ وفهم حكمته ومعطياته وخُلاصته يعد مسألة مهمة في التخيل، خاصةً أن كثيراً من المشاكل التي نريد أن نتخيل مستقبلها لها جذور تاريخية أو أشباه لها في التاريخ، فإذا كنا مُلمين بتاريخ هذه الظواهر كيف جرت في الماضي، يمكن لذلك أن يساعدنا على معرفة ما سيأتي في المستقبل.

2- الوعي بالمستقبل: هناك إنسان مشدود للمستقبل، ومنشغل به، وآخر يعيش في الماضي، ولا يتجاوزه. وينطبق الشيء نفسه على المؤسسات، ومن ثم فالوعي بالمستقبل يعني إدراك الإنسان لقوى التغير والتجديد في مختلف المجالات، وهو ما يُنشط الخيال السياسي.

3- الدراسات عبر النوعية: يأتي الاهتمام بهذه الدراسات من منطلق الفهم بأن أي ظاهرة إنسانية لديها وجوه عدة مترابطة لا تقف عند تخصص معين، ومن ثم فالدراسات عبر النوعية هي عابرة لمناهج العلم الواحد، وهي مهمة للخيال السياسي. والكثير من الباحثين لا يعرفون عن المجالات الأخرى، وذلك يجعل تحليلهم ناقصاً مهما كانت براعتهم فيه.

4- روح الفريق: بمعنى أنه إذا أردنا تخيل مستقبل ظاهرة معينة، يجب العمل كفريق. فقد تحدث المفكر الإنجليزي "برتراند راسل" عما أسماه "الفهم المشترك"، بمعنى أن البشر ممكن أن يفهموا فهماً مشتركاً لبعض الظواهر، وهناك أدوات تقليدية لذلك مثل العصف الذهني؛ وهو ترك الناس يتحدثون من دون قيود في مسألة ما، والتسجيل الذهني هو مثل العصف الذهني ولكنه مكتوب، والنزهة العقلية أي التفكير بشكل حر في الظاهرة ثم كتابة ما تم التوصل إليه من تصورات مُبدعة حولها.

5- التفكير الجانبي: يعني التفكير غير التقليدي خارج الصندوق، وهذا النمط من التفكير مهم جداً لمن يريد أن يتخيل.

6- نظرية المباريات: تعد تدريباً جيداً على إطلاق الخيال السياسي، وهي موجودة في صُنع القرار.

7- توظيف الخيال الإبداعي: فكثير من الروايات التي كتبها أدباء تحمل نبوءة بالمستقبل، لدرجة أن البعض يعتبر أن الخيال السياسي هو الرواية السياسية، ومن أمثلة ذلك رواية "الشمعة والدهاليز" للكاتب الجزائري "الطاهر وطار" التي تنبأت بكل أحداث الجزائر.

8- المُحاكاة: تعد من الأدوات المهمة للخيال السياسي، والتي تقوم على تقمص أدوار الشخصيات أو القيادات أو الرؤساء أو محاكاة بعض المؤسسات الدولية. ويعتبر حقل علم النفس السياسي بارعاً في هذا الشق.

9- استطلاعات الرأي: تتيح التعرف على اتجاهات الرأي العام نحو القضايا المختلفة، ومن خلالها أيضاً يمكن إشراك أكبر عدد من البشر في التفكير في مستقبل ظاهرة ما.

10- القائد المتبصر: وهو قائد عنده بصيرة ونظرة مستقبلية جيدة. فعلى سبيل المثال، جزء من عظمة "ونستون تشرشل"، رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق، أنه قارئ جيد للتاريخ، ولديه حنكة سياسية.

11- استعراض التجارب الناجحة: أي استعراض مثل هذه التجارب بهدف الاستفادة منها.

سُبل تنمية الخيال السياسي

الخيال السياسي هو مهارة يمكن تنميتها من خلال عدة خطوات، أولاها الابتعاد عن التعصب للآراء الخاصة، وثانيتها الاهتمام باستقراء التاريخ جيداً، وثالثتها استخدام نظريات العلم بشكل مُحكم، ورابعتها تدريب الباحثين على امتلاك قدرات جمع المعلومات وتحليلها وتصنيفها.  ثم يأتي بعد ذلك اتباع عدة خطوات، وهي:

1- إعادة ترتيب الملفات التي يُعتقد أنه لا يوجد رابط بينها للوهلة الأولى.

2- تجنب الوقوع في فخ التعريفات التي تؤدي إلى ميوعة في الفهم، فالتحليل القائم على التعريفات غير المنضبطة التي لا تتفق مع السياق الحالي لاستخدام المصطلح، يُفسد البحث العلمي.

3- فهم علاقة المفاهيم بسياقاتها، بمعنى أنه عند الرجوع للتعريفات السابقة لمصطلح ما يجب إدراك ارتباط التعريف بالضرورة بسياق اجتماعي وسياسي قد يكون مختلفاً عن السياق الحالي لاستخدام المصطلح.

4- التفكير في الأشياء والمعاني المضادة (كيف يفكر المناقض لي في الرأي؟)، وذلك لبلورة رؤية أكثر عمقاً.

5- عدم الاستسلام للقوالب المنهجية الجامدة.

معوقات الخيال السياسي

هناك ثمانية معوقات تحول دون تفعيل الخيال السياسي، وأوضحها المحاضر كالتالي:

1- الوقوعية: وهي ضد الواقعية، فعلى الرغم من أن الواقعية مطلوبة لدراسة معطيات الواقع، تأتي الوقوعية في المقابل لتقف أمام الخيال السياسي، والمقصود بها الاستسلام لهذا الواقع وعدم امتلاك الثقة في إمكانية تغييره.

2- بَلادة صانعي القرار: أي أن تكون الملكات العقلية متراجعة، وتؤثر سلباً في القدرة على التخيل.

3- التحكم البيروقراطي: فسلطة البيروقراطية المعوقة عادة ما تكون مُسبطة للخيال، وكثير من الأفكار الخيالية في حياتنا تقتلها البيروقراطية.

4- نقص المعلومات أو الاستهانة بها أو الاستسلام لها: فالخيال السياسي يتعين أن يقوم على أُسس متينة من التفكير العلمي، ولهذا يحتاج إلى توافر معلومات كافية وسليمة، لفهم الظاهرة المطلوب وضع حلول لها.

ومن ناحية أخرى، فإن الاستسلام للمعلومات والإغراق في تفاصيلها من دون ترتيبها حسب أهميتها، يؤديان إلى تعويق الخيال السياسي.

5- الجهل بالتاريخ: إذ إن معرفة ما حدث مهم للتنبؤ بما هو قادم، فأحداث التاريخ لا تتكرر بحذافيرها، إنما تتشابه في معانيها.

6- الاستسلام للموروث والعادات والقواعد النوعية: أي التعود على نمط معين للتثقيف والإنتاج العلمي، وهو ما يحوله لقيد يمنع التخيل السياسي.

7- التفكير بالتمني: وتطغى فيه العاطفة على العقل، وفي المواقف الجادة يمثل ذلك خطراً شديداً، فحينها يكون اتخاذ القرار على أساس التمني، وليس على أساس دراسة حقيقية للواقع.

8- الأيدولوجيات: على الرغم من أنها تشكل إطاراً للتفكير، فإنها قد تكون قيداً على من يُؤمن بها. فالحتمية التاريخية المستمدة من الأيديولوجيا تتحدى الخيال السياسي.

مجالات توظيف الخيال السياسي

يمكن الوقوف على مجالات عديدة لتوظيف الخيال السياسي، وتتمثل أبرزها في الآتي:

1- عبور الأزمة: فمع نقص المعلومات وضيق الوقت، يساعد الخيال السياسي على العبور من الأزمة.

2- وضع الخطط والاستراتيجيات: وهي في حد ذاتها حديث عن المستقبل.

3- مكافحة الإرهاب: فثمة أسئلة حول كيف يفكر الإرهابيون؟ وبالتالي إذا توافرت للباحثين معلومات عن الإرهابيين وخلفياتهم، يمكن تخيل سيناريوهات لعمليات مستقبلية.

4- مكافحة الفساد: عند وضع القوانين يتعين أن يكون لدينا خيال بكل الثغرات والحيل التي يمكن استغلالها، ووضع آليات تجعل الفساد عملية في غاية الخطورة.

5- تفادي سلبيات الديموغرافيا: يمكن تخيل الأوضاع المستقبلية لهذه المسألة وتجاوزها.

6- الجماعات المتخيلة: هناك دول قامت على خيال سياسي، كما أنه عادة ما تصنع الأمم التراث للتماسك الوطني، فمثلاً حاول الاسكتلنديون الانفصال عن الشخصية الإنجليزية وصناعة شخصية مستقلة لهم، واستطاعوا ذلك من خلال خلق موسيقى وفن وتراث خاص بهم.

7- الصناعات الإبداعية: فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الألعاب الترفيهية التي يقبل عليها الأطفال والعمل على مزجها بتقديم قيم ورسائل معينة، بحيث تساعد على تحقيق بعض الأهداف المجتمعية المهمة، مثل التماسك الاجتماعي. 

8- صناعة دور الدولة: بمعنى أن الدولة يمكن أن تعلب أدواراً غير تقليدية، مثل تحويل "بوليود" لصناعة تدر دخلاً على الدولة.

ختاماً، أكد المحاضر أن الخيال السياسي لا يعرف كلمة حتماً، أو مطلقاً أو أبداً، فهو شيء نسبي، والخيال السياسي حاضر في أمور عديدة في حياتنا، فهو أشبه بمنهج فكري يستخدم في كل شيء (وضع الخطط، وتقدير المواقف، وبرامج الأحزاب والمتنافسين على المناصب التشريعية والتنفيذية في الدول، التصورات الأمنية، ورؤى المجتمع المدني .. وغيرها).

واختتم د. عمار لقائه بكلمات لآلبرت آينشتاين، مفادها: "الخيال أهم من المعرفة، فالمعرفة محدودة حول ما نعيه ونفهمه، ولكن الخيال يشمل العالم، وكل ما سيكون هناك لنعيه ونفهمه مستقبلاً". 

الكلمات المفتاحية: المستقبلالخيال السياسيإبداع