الأنشطة - لقاءات المستقبل

التسوية الصعبة:

شروط وآفاق الحل السياسي للأزمة اليمنية

الجمعة, 23 أكتوبر, 2015

التسوية الصعبة:

عقد مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة "لقاءً عاماً" يوم 12 أكتوبر 2015، تحت عنوان: "شروط وآفاق الحل السياسي لأزمة اليمن"، استضاف خلاله كلا من الدكتور صالح علي باصرة، رئيس مركز الرشيد للتنوير والتدريب والدراسات، وسعادة السفير حسن علي عليوة، أمين سر سابق للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية.

وقد تناول المحاضران تطورات الأحداث في اليمن، والوقوف على أسباب حالة عدم الاستقرار المزمن، وكيفية الخروج من الأزمة الراهنة، وفرص التسوية السياسية، وأبرز السيناريوهات المطروحة حول مستقبل اليمن.

تجربتان تاريخيتان مغايرتان

عانت اليمن تاريخياً من انقسام بين الشمال والجنوب، ففي ظل حكم الإمامة، كان هناك تخوف من التنمية والانفتاح الخارجي، ثم جاءت حركات التنوير، ولكنها لم تستطع الوصول إلى المجتمع، ثم حدثت ثورة سبتمبر 1962 ضد حكم الإمامة في استنساخ لثورة 23 يوليو 1952 في مصر، والتي اعتبرها الرئيس جمال عبدالناصر دعماً له، ودخل في اليمن لدعم الثورة، وحماية الجمهورية، لكنه اصطدم بالمجتمع القبلي وبالطبيعة الجغرافية الصعبة.

أما عدن، فقد شهدت خلال هذه المرحلة تطوراً مدنياً كبيراً، خاصة أن نسيجها المجتمعي كان يعكس مختلف الأجناس من هنود وباكستانيين وعرب، فضلاً عن تنوع الخلفيات الدينية؛ وهو ما ساعد على التسامح، فكانت هناك معابد للهندوس والمجوس، وكانت هناك كنيسة كاثوليكية وبروتستانتية، غير أن هذا التطور ظل محصوراً في عدن، ولم يمتد إلى بقية مدن الجنوب، ولذلك عانى اليمن الجنوبي هو الآخر من انقسامات حادة، كما وضح في الحرب الأهلية التي تفجرت في عام 1986.

تاريخ من الإقصاء والتهميش

إن إحدى العوامل التي دفعت لعدم الاستقرار في اليمن هي سياسة الإقصاء والتهميش، ضد بعض القوى السياسية الداخلية المؤثرة، وهو ما وضح عقب إعلان الوحدة بين شطري اليمن مباشرة في 22 مايو 1990.

وقد دفعت التطورات الدولية والإقليمية والداخلية للإسراع بالوحدة بين شطري اليمن من دون استعدادات كافية لإدارة هذه المساحة الكبيرة جغرافياً والمتنوعة قبلياً. دولياً انهار الاتحاد السوفييتي الداعم الرئيسي لليمن الجنوبي. وإقليمياً، كان الجنوب يشهد صراعاً مع السعودية. أما داخلياً، فكانت الأوضاع الاقتصادية متدهورة؛ وبالتالي حدثت الوحدة على الرغم من الاختلافات الكبيرة في الحياة الاجتماعية بين الشمال والجنوب، لاسيما أن القبيلة في الشمال كانت بديلة للدولة اليمنية.

ولهذا تمت الوحدة بطريقة متسرعة، ولم يتم وضع أسس جيدة لإدارة الدولة، وفي النهاية فرض نظام الشمال على الجنوب، خاصة في ظل الزيادة العددية لأهل الشمال مقارنة بالجنوب؛ وبالتالي فاز الرئيس علي عبدالله صالح وحزبه - بالتحالف مع الإسلاميين - في أول انتخابات برلمانية أُجرِيَت في عام 1993، بينما خسر الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم الجنوب، مما أدى إلى خلافات حول اقتسام السلطة، انتهت بتهميش الاشتراكي، وهو ما أدى إلى الحرب الأهلية المحدودة في عام 1994، والتي استطاع صالح حسمها لصالحه.

وعلى الرغم من ذلك لم تستقر اليمن، فمع أن صالح أحكم سيطرته على الدولة، فقد اندلعت سبع جولات من الصراع بينه وبين الحوثيين، كان أولها في 18 يونيو 2004، وآخرها في عام 2011، لتكون الاضطرابات الداخلية وتهميش القوى عوامل أساسية للثورة ضده، وعزله من الحكم.

سوء إدارة المرحلة الانتقالية

تتمثل إحدى أبرز الأخطاء التي ارتكبت أثناء المرحلة الانتقالية بعد حكم صالح في استمرار سياسة الإقصاء، فقد عملت بعض التيارات السياسية، وعلى رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح، على تهميش القوى الأخرى، وتمكن علي عبدالله صالح من لعب دور بارز لإفساد العملية السياسية، وعمد الحوثيون إلى توسيع مكاسبهم خلال هذه الفترة لدرجة اجتياحهم للمحافظات اليمنية حتى الوصول إلى عدن؛ ولم يتمكن الرئيس الانتقال عبدربه منصور هادي من إدارة هذه الاختلافات؛ وهو ما أثر سلبياً على مقررات المبادرة الخليجية وعلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وأدى في النهاية إلى تشكيل التحالف العربي لمواجهة زحف صالح/الحوثيين وسيطرتهم على الدولة.

وكان من أكبر الأخطاء عملية إعادة هيكلة الجيش اليمني، وتحديداً الحرس الجمهوري، حيث استطاع صالح السيطرة على الحرس الجمهوري نظراً لهيمنة أقاربه على المناصب القيادية به، وذلك لأنه قد تم التخطيط من السلطة الانتقالية لتحويله إلى احتياطي عام على الرغم من كونه الأفضل تدريباً وتسليحاً، ولذلك تمكن صالح بالمال والقبيلة من الحصول على ولائه، خصوصاً أن عناصره ينتمون لأربع محافظات شمالية أساسية هي صنعاء وعمران وذمار وحجة.

فرص الحل السياسي

ثمة بعض المحددات الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار من أجل التوصل لحل سياسي في اليمن، من أبرزها كسر شوكة صالح/الحوثيين، وليس القضاء عليهم تماماً، فالتسوية السياسية سوف تشمل كل الأطراف ولن تقتلع أحداً، لكن هذا يتوقف على وجود عناصر قيادية داخل حزب المؤتمر الشعبي "حزب صالح" تتفاوض حول الحل السياسي، لأن من انشقوا عن الحزب حتى الآن ليسوا من القيادات المؤثرة، ولاتزال القوى الحقيقية داخل المؤتمر متحالفة مع صالح.

من جانب آخر، يعتبر التحالف القائم بين علي عبدالله صالح والحوثيين تحالفاً مصلحياً، وسوف ينتهي غالباً مع العملية السياسية، لاسيما أن العمليات العسكرية نجحت في إضعاف القوة العسكرية لعلي عبدالله صالح، حيث تم بالفعل تدمير حوالي 80% من أسلحته، وهو ما يهيئ الوضع للتسوية السياسية.

ولا يعني الوصول لحل سياسي أن يتم هيمنة فصيل واحد مثل الإخوان على حكم اليمن، فقد أثبتت تجربة ما بعد ثورة 2011 انتهاج هؤلاء للنهج الإقصائي الذي يمثل خطراً على وحدة اليمن، فقد كشفت تجربتهم في الحكم خلال المرحلة الانتقالية عن طابعهم المذهبي، حيث حولوا مناهج التعليم لتتفق مع رؤاهم، وعملوا على إقصاء المذاهب الأخرى، وهو ما خلق نوعاً من التوتر المذهبي.

وقد أكد المحاضران أن العمل العسكري ليس هدفاً بذاته، فهو أداة للوصول لتسوية سياسية، وليس إقصاء أحد، كما أنه ليس في مصلحة كافة الأطراف استمرار الحرب لفترة طويلة، لكن ذلك يتوقف على قبول الحوثيين وصالح بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216، حتى يمكن التفاوض على أسس صحيحة.

وبناءً على ذلك يتمثل أحد السيناريوهات المطروحة بقوة للتعامل مع مستقبل اليمن، في إقامة فيدرالية من إقليمين، يتولى كل إقليم منهما إدارة نفسه، على أن تتمتع المحافظات بسلطات إدارية واسعة، وبعد ذلك بفترة مناسبة يمكن إجراء استفتاء للجنوبيين لتحديد مصيرهم وقبول الوحدة من عدمه.

أما السيناريو الآخر، فيتمثل في انهيار اليمن وفشلها في المصالحة، إذ تعاني اليمن من فرز على أساس شمالي – جنوبي، كما أن كل شطر يعاني من انقسامات داخلية، فالشمال لديه تاريخياً صراع بين قبائل حاشد وبكيل، فيما الجنوب لديه انقسام أيضاً بين عدد كبير من القوى المتصارعة متباينة الأهداف والأجندات.

والحاصل من ذلك أن أفضل الخيارات المطروحة لمستقبل اليمن هو التوصل لتسوية تفاوضية تضم كل الأطراف، ولا تعني هذه التسوية فقط إنهاء الأزمة اليمنية الحالية، ولكن تشتمل على رؤية واضحة لكيفية إدارة مستقبل الدولة اليمنية، والتي تبدأ من نزع أسلحة الميليشيات المختلفة، وبسط سيادة الدولة، وبداية عملية التنمية وإعادة الإعمار.