تقديرات المستقبل

غموض قائم:

هل تورطت إسرائيل في مهاجمة نطنز الإيرانية للمرة الثالثة؟
الأربعاء، 08 ديسمبر، 2021
غموض قائم:

أفادت وكالات الأنباء الإيرانية، في 4 ديسمبر الجاري، بوقوع انفجار في سماء منشأة نطنز النووية الواقعة بمحافظة أصفهان وسط إيران، وهي الواقعة التي أثارت الكثير من التساؤلات حول حقيقة هذا الانفجار وتداعياته المحتملة، وما إذا كانت إسرائيل ضالعة في مثل هذا الهجوم المحتمل، أم لا، خاصة في ضوء تورطها في استهداف المنشأة مرتين في السابق.

روايات إيرانية متضاربة:

لم يكن من الواضح ماذا حدث في منشأة نطنز النووية، وهو ما يرجع إلى تضارب الروايات الإيرانية عما جرى، وهو ما يجعل من الصعب الجزم بما إذا كان هناك هجوم من الأساس، وما إذا كانت إسرائيل تورطت فيه أم لا، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:  

1- تقارير صحفية متباينة: اختلفت الروايات بشأن تفاصيل الواقعة، إذ لم تفصح المصادر الإيرانية الرسمية عن أسباب الحادث فور وقوعه، فقد أفادت وكالة الطلبة الإيرانية بأن دوي انفجار ضخم سُمع في سماء مدينة نطنز، موضحة أنه لم يرد تفسير رسمي لذلك. وأضاف مراسل وكالة أنباء فارس شبه الرسمية في بدرود القريبة أن دوي انفجار سٌمع أعقبه وميض قوي في السماء.

وأشارت وكالة أنباء دانشجو في وقت لاحق إلى أن طائرتين مسيرتين كانتا تحلقان فوق منشأة نطنز، وبعد استهداف إحداهما عبر الدفاعات الجوية الإيرانية المتمركزة قرب المنشأة، سُمع دوي الانفجار، وكانت الطائرتان على بُعد 20 كيلو متراً من المنشأة النووية. وأفاد سكان المدينة بأنهم شاهدوا جسماً ينفجر في سمائها.

وفي المقابل، أفادت بعض المنصات الإعلامية الرسمية بأن ذلك الانفجار لم يكن هجوماً، بل جاء نتيجة تدريب تجريه القوات الإيرانية التي أطلقت صاروخاً دفاعياً صوب المسيرة لاختبار القدرة على التصدي لأي هجمات محتملة.

2- سوابق إسرائيلية: تعرضت المنشآت النووية الإيرانية خلال السنوات السابقة لهجمات تخريبية تورطت في أغلبها إسرائيل، في حين أن البعض الآخر تم تنفيذه بالتعاون مع الولايات المتحدة، كما يعتقد أن إسرائيل تورطت في تصفية عدد من العلماء النوويين. 

وكان أبرز هذه التفجيرات استهداف منشأة نطنز مرتين في يوليو 2020 وأبريل 2021، بالإضافة لتخريب مجمع تيسا، في مدينة كرج يونيو 2021، والذي ينتج أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في عمليات تخصيب اليورانيوم، بالإضافة إلى اغتيال محسن فخري زاده، في نوفمبر 2020، والذي كان مهندس البرنامج النووي الإيراني. 

3- تعثر المحادثات النووية: تتزامن الواقعة مع تعثر المحادثات النووية بين أطراف الاتفاق النووي الإيراني والولايات المتحدة وإيران والمنعقدة في فيينا في جولتها السابعة، وتعد هذه الجولة هي الأولى في عهد حكومة رئيسي. 

وأعلنت إسرائيل، على لسان رئيس وزرائها، في 2 ديسمبر، رفضها استئناف تلك المحادثات مع مطالبتها باتخاذ رد فعل أكثر ردعاً لإيران رداً على "ابتزازها النووي". فقد أشارت مصادر غربية بوجود مماطلة إيرانية لعدم حسم المحادثات في جولتها الحالية، وذلك بالتزامن مع تعزيز إيران قدراتها على تخصيب اليورانيوم عند مستويات تصل إلى 60%، بعدما تجاوزت الحدود المقررة في اتفاق عام 2015.

تورط إسرائيلي محتمل:

تواردت أخبار غير مؤكدة بشأن مسؤولية إسرائيل عن الحادثة الأخيرة حول نطنز، وهو ما يرجع للعمليات الإسرائيلية التخريبية السابقة ضد إيران، فضلاً عن تصريحات مسؤوليها، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي: 

1- غموض موقف تل أبيب: لم يؤكد أو ينفي المسؤولون العسكريون الإسرائيليون دورهم في الحادث الأخير. فقد أفاد نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، ألون شوستر، في 5 ديسمبر، وذلك في معرض تعليقه على حادثة نظنز، بأن إيران تمثل مشكلة للعالم بأسره، وليس إسرائيل وحدها، مع التأكيد على ضرورة التحلي بالشجاعة والمسؤولية للدفاع عن مصير أبناء إسرائيل، مؤكداً أن هناك حاجة لاستخدام القوة والوسائل العسكرية ضد الأعداء في المواقف المتطرفة، وإن أكد في الوقت ذاته أن تل أبيب تكثف جهودها الدبلوماسية للتأثير على دوافع الغرب في التفاوض مع إيران، في إشارة إلى محاولتها إيقاف هذه المفاوضات. 

2- إبقاء خيار الضربة العسكرية: حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، الأسبوع الماضي، الولايات المتحدة والقوة العالمية من أن "الصفقة السيئة مع الإيرانيين ستكون لها تداعيات على الأمن القومي الإسرائيلي".

كما صرح قائد سلاح الجو الإسرائيلي، عميكام نوركين، بأن الجيش الإسرائيلي قادر على فعل كل ما هو مطلوب لضمان عدم امتلاك طهران قنبلة نووية، كما لم يستبعد وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، أن تتحرك إسرائيل ضد إيران لمنع امتلاكها السلاح النووي.

وتسعى إسرائيل لتأكيد جديتها في هذا الإطار، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال التدريبات العسكرية، الدفاعية والهجومية، التي تجريها إسرائيل مع الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية خلال الشهور الأخيرة، وذلك لتأكيد جديتها في توجيه ضربات عسكرية لمنشآت إيران النووية.

كما حذر الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتزوغ، الولايات المتحدة خلال احتفال اعتماد السفير الأمريكي بالقدس من أن إسرائيل ستحمي نفسها وتتصرف ضد إيران بمفردها إذا فشل المجتمع الدولي في التصدي لطموحات طهران النووية دبلوماسياً. وأكد السفير الأمريكي من جانبه أن الرئيس بايدن يؤكد الالتزام الأمريكي بضمان ألا تطور إيران سلاحاً نووياً.

3- كشف تفاصيل عمليات سابقة: كشف موقع إسرائيلي "ذا چويش كرونكول" (The Jewish Chronicle) عن وثائق تؤكد مسؤولية إسرائيل عن التفجير الواقع في نطنز عبر طائرات مسيرة، وُظفت من خلال علماء نوويين إيرانيين جندتهم إسرائيل لهذا الغرض، وأسهمت تلك الهجمة في تدمير 90% من أجهزة الطرد المركزي في المحطة النووية، مما أدى إلى تعطيل التقدم نحو إنتاج قنبلة نووية وإيقاف المجمع الرئيسي عن العمل لمدة تصل إلى 9 أشهر.

وأفاد التقرير بأن العناصر الموالية لإسرائيل قد خبأت المتفجرات داخل منشأة نطنز منذ عام 2019 وقاموا باستخدامها في غارتين عامي 2020 و2021، كما تسلل عملاء الموساد بطائرة مسيرة "كوادكوبتر" مفككة ومسلحة إلى داخل إيران، وقاموا بتجميعها واستخدموها لإطلاق صواريخ على موقع "تيسا" لتصنيع أجهزة الطرد المركزي في كرج في يونيو الماضي.

4- مخصصات إسرائيلية لاستهداف إيران: خصصت إسرائيل نحو 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار) لاستخدامها في توجيه ضربات عسكرية محتملة ضد برنامج إيران النووي، من أجل تعزيز مستوى الاستعدادات والتسليح ومن أجل شراء الأسلحة التي يمكنها ضرب المواقع المحصنة تحت الأرض، فضلاً عن الحصول على مختلف أنواع المقاتلات والطائرات المسيرة.

تباين واشنطن مع تل أبيب!

يلاحظ أن صحفاً أمريكية سربت، في نوفمبر، تقارير استخباراتية تكشف عن تبنيها تقييمات سلبية حيال فاعلية العمليات التخريبية الإسرائيلية ضد البرنامج النووي الإيراني، وأنها جاءت برد فعل عكسي، في محاولة على ما يبدو لممارسة ضغط على إسرائيل لعدم تنفيذ عمليات تخريبية مماثلة ضد إيران بالتزامن مع الجولة السابعة من المفاوضات. وعلى الرغم من هذا الخلاف، فإنه لايزال هناك توافق على إبقاء الخيار العسكري على الطاولة، وهو ما يتضح في التالي:   

1- خلاف إسرائيلي – أمريكي: كان الملف النووي هو أحد أهم الملفات الخلافية في العلاقة بين إسرائيل وأمريكا، وتدهورت العلاقات الثنائية خلال عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بفعل إبرامه الاتفاق النووي عام 2015، إذ ترى إسرائيل أن البرنامج الإيراني يمثل تهديداً وجودياً. وتبلور خلاف أمريكي – إسرائيلي في الآونة الأخيرة حول جدوى المحادثات النووية، إذ ترغب إدارة بايدن في إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب، بينما تصر إسرائيل على ضرورة توقيف المحادثات، والتلويح بالقوة العسكرية ضد طموحات إيران النووية.

2- تلويح واشنطن بخيارات غير دبلوماسية: أعربت إدارة بايدن عن استيائها من المماطلة الإيرانية مع تعثر الجولة السابعة من المحادثات النووية، إذ صرحت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، بأن الحكومة الإيرانية الجديدة لم تأت إلى فيينا حاملة اقتراحات بناءة، كما أفاد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بأنه إذا تبين أن الطريق مسدود أمام عودة الامتثال للاتفاق، فإن الولايات المتحدة سوف تسعى لخيارات أخرى، من دون توضيح طبيعتها. 

3- ضغوط إسرائيلية متواصلة: من المقرر أن يتوجه كل من رئيس الموساد، ديفيد بارنيا، إلى واشنطن لمناقشة التهديدات الإيرانية، بالإضافة إلى وزير الدفاع، بيني جانتس، الذي من المقرر أن يلتقي وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكين، ويبدو أن هذه اللقاءات تستهدف التأثير على الموقف الأمريكي في المفاوضات النووية، أو مناقشة سياسات بديلة عن الدبلوماسية. وبالتزامن مع ذلك، تتكثف الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية دولياً لحشد الحلفاء الأوروبيين ضد إيران، وهو ما يستهدفه وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، من زيارته لباريس ولندن.

وفي الختام، يلاحظ أنه ليس من الواضح أن إسرائيل قد تورطت في شن هجوم ضد منشأة نطنز، أو ما إذا كانت الدفاعات الإيرانية قد نجحت في التصدي لهذا الهجوم المزعوم، وإن كان من المرجح أن تتجه إسرائيل لتبني هذا الخيار مستقبلاً، خاصة بعد أن بات من الواضح أن إيران أبدت مماطلة وتسويفاً في الجولة السابعة من المفاوضات النووية، وذلك بالتزامن مع استمرارها في أنشطة تخصيب اليورانيوم. 

الكلمات المفتاحية: إيرانإسرائيل

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات