التحليلات - التغيرات السياسية

منافس "إيباك":

تأثيرات حركة "جي ستريت" في اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة

سعيد عكاشة

الإثنين, 30 يناير, 2017

منافس "إيباك":

عقب إحدى المناظرات التي دارت بين هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، في إبريل 2016، حول الموقف الواجب اتباعه حيال إسرائيل وعملية السلام، قالت حركة "جي ستريت J – street" إن موقف المتنافسين -آنذاك- على الترشح عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية يعكس النجاح الذي حققته الحركة في التأثير على موقف النخب الأمريكية من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وكان المرشحان قد انتقدا -حينها- موقف إسرائيل من التسوية مع الفلسطينيين، وحمّلوا حكومة إسرائيل مسئولية تعويق السلام، وهو نفس الموقف الذي تتبناه الحركة التي تمثل شباب اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2008، ظهرت حركة "جي ستريت" على الساحة الأمريكية؛ إذ استطاعت -ولا تزال- إثارة الجدل داخل إسرائيل، وعلى امتداد المجتمعات الغربية التي تتواجد بها طوائف يهودية. فالحركة تقدم نفسها -من جهة- كجماعة سلام تسعى إلى حشد الشباب اليهودي والأمريكي ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتطالب بدعم حل الدولتين. ومن جهة أخرى، تدعم إسرائيل تحت شعار أن الاحتلال وتقويض حل الدولتين من شأنه أن يدمر إسرائيل، كدولة ديمقراطية وكوطن شرعي للشعب اليهودي، بحسب وجهة نظرها.

لقد أسس هذه الحركة ناشطون يساريون أمريكيون، أمثال: دانيال ليفي، وجيرمي بن عامي (عمل لبعض الوقت في طاقم موظفي إدارة كلينتون بالبيت الأبيض ما بين عامي ١٩٩٢ و٢٠٠٠) تحت دعوى أن المنظمات اليهودية التقليدية في الولايات المتحدة الأمريكية -مثل منظمة "إيباك"- تمثل اتجاهًا يمينيًّا متشددًا، ولا تعكس الرؤى المتعددة والمختلفة لليهود الأمريكيين.

وعلى ذلك، سعى ليفي وبن عامي إلى إنشاء حركة تغلب عليها المواقف اليسارية التقليدية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي تتمحور حول ضرورة الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع التمسك بجوهر الفكرة الصهيونية حول حق الشعب اليهودي في وطن آمن، ومعترف به على جزء من أرض فلسطين التي تُعتبر -من وجهة نظر معظم اليهود (بما في ذلك يهود الولايات المتحدة)- الوطن التاريخي للشعب اليهودي.

دلالات ظهور الحركة

لا يُمكن تجاهل تزامن تأسيس "جي ستريت" مع ترشيح باراك أوباما عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام ٢٠٠٨، فقد رأى بعض المعلقين المنتمين إلى منظمة الإيباك AIPAC (اللجنة العامة للشؤون الإسرائيلية الأمريكية) أن الحركة جزء لا يتجزأ من الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، قال الراباي جوناثان جرينبيرج الذي شغل في السابق منصبًا رفيعًا في "إيباك": "لم تسعَ "جي ستريت" إلى أن تكون منظمة تعمل من أجل إسرائيل، كما تدعي، بل هدفت إلى إعطاء مؤسسها ورئيسها جيريمي بن عامي مقعدًا في طاولة التقدميين في الحزب الديمقراطي الأمريكي".

غير أن انتماء "جي ستريت" إلى اليسار الديمقراطي الأمريكي يبدو محل شك بسبب الموقف الذي اتخذته في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي لتحديد مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. إذ أيدت الحركة المرشحة هيلاري كلينتون التي تُمثِّل جناح الوسط في الحزب في مواجهة بيرني ساندرز الأكثر تعبيرًا عن الجناح اليساري في الحزب وفِي الحركات الشبابية في المجتمع الأمريكي.

ولاحظت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الصادرة في ١٩ إبريل 2016، أن "جي ستريت" قد بررت موقفها هذا بأنها تؤمن بأن الهجوم على إسرائيل وإدانتها بسبب استخدامها العنف المفرط ضد الفلسطينيين (كما يفعل ساندرز) لا يتفق مع موقف الحركة الذي يبتعد عن إدانة السياسة التي تتبعها إسرائيل في مواجهة "الاعتداءات التي تشنها التنظيمات الفلسطينية ضدها" بحسب وجهة نظر الحركة. كما أنها ترى أن دعم أمن إسرائيل (كما تنادي كلينتون) هو موقف أكثر إيجابية، لأنه يمنح الولايات المتحدة القدرة -في الوقت نفسه- على الضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية وإنجاح حل الدولتين.

أوباما وجي ستريت

يُمكن القول إن ارتباط "جي ستريت" بالجناح اليساري في الحزب الديمقراطي قد لا يكون واضحًا بقدر ارتباطها بالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والذي حرص منذ ولايته الأولى على الالتقاء ببعض نشطائها في مناسبات عدة، كان آخرها في ١٥ إبريل 2016، عندما دعا عددًا من قادة الحركة من طلبة الجامعات للقائه، كما فوّض نائبه جو بايدن ووزير خارجيته جون كيري للتحدث نيابة عنه في اجتماع احتفالي للحركة بعد يومين من اللقاء المذكور.

وفي 28 سبتمبر 2016، نشرت حركة "جي ستريت" إعلانًا مدفوع الأجر على صفحة كاملة في صحيفة "نيويورك تايمز" قدمت فيه الشكر للرئيس أوباما ووزير الخارجية جون كيري آنذاك على دعمهما لإسرائيل، في الوقت الذي كان فيه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية يواصل هجومه عليهما بعد امتناع واشنطن عن استخدام حق الفيتو لمنع صدور قرار بإدانة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واعتبارها عقبةً في طريق السلام. وثمّنت الحركة هذا القرار، ودعت إلى البناء عليه من أجل ممارسة الضغوط على إسرائيل لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين.

وتبدو علاقة "جي ستريت" بأوباما منطقية من زاويتين محددتين؛ تتعلق الأولى بقناعة أوباما الشخصية بأن الصعود المستمر لليمين المتشدد في إسرائيل وعجز منظمة إيباك عن مواجهة المواقف المتشددة له حيال مسيرة السلام مع الفلسطينيين استدعت ضرورة البحث عن صوت يهودي أكثر قربًا من رؤيته في كيفية حل هذا الصراع، يمكنه أن يشكل ضغطًا مزدوجًا على الحكومة الإسرائيلية وعلى منظمة "الإيباك" في الوقت نفسه.

أما الزاوية الثانية، فتتعلق برؤية أوباما لنفسه كممثل لتيار عالمي ذي توجه إنساني يرفض التفرقة بين البشر على أساس العرق أو الدين أو الجنس، ويحمل هذا التيار في طياته موقفًا معاديًا لفكرة استمرار احتلال شعب لشعب آخر، وهو ما أوضحه أوباما في العديد من خطبه، خاصةً منذ بدء ولايته الأولى عام ٢٠٠٩.

عناصر القوة

تتجلى قوة "جي ستريت" في قدرتها على اختراق صفوف الشباب، خاصةً من طلاب الجامعات الأمريكية، حيث يجد خطابها صدى واسعًا في أوساط اليسار وأنصار البيئة وحقوق الإنسان، كما أنها تمتلك إمكانيات مادية مكّنتها من أن تدعم مرشحين مختارين لخوض انتخابات الكونجرس، وذكر تقرير لمحطة CNN في ٢٤ يوليو ٢٠١٤، أن الحركة أعلنت عن تأييدها لـ٨٤ شخصًا رشحوا أنفسهم في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وأنفقوا ما يزيد على ٢ مليون دولار لدعم مرشحيهم.

ونجحت الحركة في استقطاب عددٍ من أعضاء الكونجرس للتصويت على قرارات تتعلق بالموقف الأمريكي من الاستيطان الإسرائيلي، فقد ذكر نفس تقرير الـCNN السابق قيام النائبين الديمقراطيين آدم سميث وديفيد برايز بالتصويت في مجلس النواب ضد مشروعات لدعم إسرائيل أو مشروعات أخرى استهدفت قطع المعونات عن السلطة الفلسطينية بسبب توجهها نحو الحصول على اعتراف من المنظمات الدولية بالدولة الفلسطينية، دون انتظار لاستئناف مفاوضات التسوية مع إسرائيل.

أيضًا، تلعب الحركة دورًا مؤثرًا في التواصل مع الشباب المسلم في الجامعات، وإقناعهم بأهمية حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ففي عام 2015، تم انتخاب فتاة مسلمة من أصل باكستاني تُدعى آمنة فاروقي لتكون رئيسًا لاتحاد الجي ستريت بالجامعات الأمريكية (J street U).

من يمول الحركة؟

إحدى الوسائل التي تتم بها محاربة المنظمات التي تعارض السياسة الإسرائيلية هي البحث عن مصادر تمويلها، إما لإلقاء الشبهات حول أهدافها، أو الضغط على مموليها للتوقف عن دعمها، وهو ما حدث مع "جي ستريت"، حيث نشرت العديد من المواقع المؤيدة للوبي اليهودي في الولايات المتحدة معلومات غير موثقة عن مصادر تمويل الحركة.

فعلى سبيل المثال، نشر موقع www.thehill.com مقالا للكاتب بول ميللر بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠١٤ بعنوان: (جي ستريت: أنصار التقدميين وليسوا أنصار إسرائيل). وقال ميللر إنه ليس سرًّا أن المال الذي يُعادي إسرائيل هو من يدعم حركة "جي ستريت"، وإن أهم من يقف وراءها هو الملياردير الأمريكي المعروف بكراهيته لليهود "جورج سورس" و"جينفيف لينش" عضو مجلس إدارة المجلس الوطني الأمريكي-الإيراني، والمنتج السينمائي محمد كليبي (Celebi) الذي أنتج الفيلم الذي اتُّهم بمعاداة السامية valley of the wolves. ولا يُبين موقع "جي ستريت" مصادر تمويلها، الأمر الذي ربما يجعل البعض يرى في التقارير السابقة قدرًا من بعض المصداقية، برغم افتقارها أيضًا لمصادر معلومات موثوق فيها.

الموقف الإسرائيلي

بقدر ما رحبت الأوساط اليسارية في إسرائيل بـ"جي ستريت" منذ ظهورها، إلا أن الموقف الإسرائيلي الرسمي منها يتسم بالتجاهل أو بانتقاد أصوات قليلة من داخل الحكومة وبعض الأحزاب اليمينية، مثلما فعل داني ديانون السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة الذي قال: "حركة جي ستريت ليست -كما تدعي- مؤيدة لإسرائيل، لأنها في الواقع منظمة تعمل من أجل الفلسطينيين".

كما هاجم نفتالي بينت (زعيم حزب البيت اليهودي) الحركة أيضًا، خاصةً بعد إعلانها الاعتراض على تعيين سفير أمريكي في إسرائيل محسوب على لوبي الاستيطان الذي يمثل بينت أحد صقوره. وفيما يبدو فإن حكومة إسرائيل تريد ألا تدخل في معارك مع "جي ستريت" لكي لا تزيد من جاذبيتها في أعين الشباب اليهودي الأمريكي، آملةً -في الوقت نفسه- أن تتولى حملات التشكيك في مصادر تمويل الحركة وارتباطاتها في الداخل الأمريكي مع قوة تأثير منظمة الإيباك في الكونجرس، دفع الحركة للانزواء تدريجيًّا، خاصةً مع وصول ترامب للحكم.

صدام مبكر مع ترامب

ربما لا تقدر حركة "جي ستريت" حجم التحديات التي تنتظرها بعد وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض، وتسلمه مهام منصبه في 20 يناير 2017، خاصة في ظل تصريحاته أثناء حملته الانتخابية عن دعمه غير المشروط لإسرائيل، واستعداده لاتخاذ قرار بنقل السفارة الأمريكية للقدس، خاصةً بعد أن بادرت الحركة إلى توجيه انتقادات لترامب على اختياراته لبعض المناصب في إدارته، مثل اختياره لديفيد فريدمان ليصبح سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل.

وقال بيان الحركة الصادر في ١٦ ديسمبر 2016، إن هذا الاختيار يتناقض مع المبادئ الأساسية للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ووعدت بحشد المعارضة في الكونجرس لمنع إقرار هذا الترشيح. ويبدو أن موقف "جي ستريت" من هذا التعيين يستند أيضًا للمعركة التي دارت في السابق بينها وبين فريدمان بسبب وصفه لها بأنها تشبه اليهود الذين تعاونوا مع النازي لقتل أبناء شعبهم في معسكرات التجميع في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

على الجانب الآخر، تراهن "جي ستريت" على أنها تمتلك جذورًا حقيقية في الثقافة اليهودية وحتى في الثقافة الصهيونية ذاتها، بما يمكِّنها من البقاء وفرض أجندتها في النهاية، حيث يمكن رد مبادئ هذه الحركة إلى الجناح الذي عُرف تاريخيًّا باسم "الصهيونية الثقافية" التي تأسست على يد الحاخام بعل شيم توف في بدايات القرن الماضي، وتبنى هذا الجناح مقولة تأسيس الوطن القومي لليهود، الذي يمكنهم من لعب دورهم التنويري المقدر لهم إلهيًّا بحكم وعود التوراة، وأن هذا الدور يرتكز على مبادئ المساواة الإنسانية أكثر من استناده إلى فكرة شعب الله المختار التي تستثير حفيظة الشعوب الأخرى.

كما يمكن أن نجد قواسم مشتركة لـ"جي ستريت" مع حركات السلام الإسرائيلية، خاصة حركة "السلام الآن"، فكلاهما يفخر بانتمائه إلى الصهيونية التنويرية التي تسعى لتحقيق الأمن للشعب اليهودي عبر إقامة السلام مع الآخر (على رأسهم العرب والفلسطينيون)، وفي الوقت نفسه يرفضان الاحتلال، ويريان في الاستيطان عقبة في طريق السلام.

لكن خطاب "جي ستريت" مثلما يواجَه بالرفض من اليمين الإسرائيلي واليهودي في الشتات، فإنه أيضًا لا يُثير حماس المنظمات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، في ظل تأييد هذه الحركة للفكرة الصهيونية التي يريد العرب والمسلمون تجريمها بغض النظر عن استعدادهم لإقامة سلام مع إسرائيل لا يقر بشرعية الحركة الصهيونية، كحركة تحرر وطني للشعب اليهودي، كما يزعم أنصارها.

أضف إلى ذلك فإن نجاح "جي ستريت" في جذب بعض الشباب المسلم في أمريكا إلى تبني منظورها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا بد وأن يُثير قلق الجاليات العربية والإسلامية في أمريكا، لما قد يُحدثه ذلك من انقلاب على ثوابت دأبت أجيال عديدة على التمسك بها، وعلى رأسها اعتبار الصهيونية جريمةً في حق الإنسانية، حتى لو كان بعض أنصارها يُقرّون بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.