التحليلات - التغيرات السياسية

تغييرات محتملة:

التوجهات المحتملة للسياسة الخارجية لإدارة "ترامب" تجاه الشرق الأوسط

حسام إبراهيم

الأحد, 20 نوفمبر, 2016

تغييرات محتملة:

اهتمت الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي المنتخب "دونالد ترامب" بقضايا منطقة الشرق الأوسط، حيث نجحت في توظيف مخاوف الأمريكيين من التهديد الذي تمثله إيران وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) والوضع في سوريا على المصالح الأمريكية، وذلك عبر الإعلان عن توجهات وسياسات عكس تلك التي تبنتها منافسته الديمقراطية "هيلاري كلينتون" والتي كانت في معظمها امتدادًا بشكل أو بآخر لسياسات إدارة "باراك أوباما" الحالية.

ومع فوز "ترامب" في انتخابات الثامن من نوفمبر الجاري، على عكس ما كان يتوقع الكثيرون، انشغل المهتمون بالمنطقة وقضاياها داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، بتساؤل رئيسي حول ما إذا كان "ترامب" الرئيس سيتبنى السياسات التي أعلنها خلال حملته الانتخابية بشكل فعلي؟.

الشرق الأوسط في حملة "ترامب" الانتخابية: 

استنادًا إلى تصريحات "ترامب" خلال حملته الانتخابية وموقعها الرسمي، وخلال المناظرات الثلاث بالسباق الرئاسي، يمكن الإشارة إلى أبرز التوجهات العامة التي أظهرها تجاه المنطقة خلال حملته الانتخابية، والتي تتمثل في:

1- احتلت ثلاث قضايا شرق أوسطية رئيسية جزءًا كبيرًا من حملته الانتخابية، وهي: الاتفاق النووي الإيراني، والأوضاع في سوريا، ومكافحة تنظيم داعش. وخلال تناوله لهذه القضايا، طرح "ترامب" سياسات معينة للتعامل معها، فضلا عن أنه وظفها بشكل كبير في الهجوم على منافسته "هيلاري كلينتون"، وانتقاد السياسات التي تبنتها خلال توليها منصب وزيرة الخارجية (2009-2013) بإدارة أوباما الأولى.

2- مثَّلت قضية التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا عام 2011 جزءًا من الهجوم المكثف الذي شنه "ترامب" على "كلينتون"، معتبرًا أنها كانت عنصرًا رئيسيًّا وراء التدخل العسكري الذي أدى إلى الفشل ووصول الأوضاع إلى ما هي عليه الآن، والتي حولت ليبيا إلى دولة فاشلة. لكنه لم يطرح سياسات محددة بشأن التعامل مع الوضع الراهن هناك.

3- ركز "ترامب" في جزء كبير من حملته الانتخابية على العراق، وذلك في إطار الهجوم على منافسته "كلينتون"، وموقفها من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث وجه انتقادات إلى سياسة إدارة "أوباما" تجاه هذا البلد. ولكنه لم يطرح سياسات معينة بشأن الوضع في العراق.

4- حظيت عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بأهمية خاصة خلال الحملة الانتخابية لترامب، خاصة في الكلمة التي ألقاها أمام المؤتمر السنوي للجنة العامة للشئون الأمريكية الإسرائيلية "إيباك" في 21 مارس 2016، والتي طرح فيها موقفه بشأن عملية السلام والعلاقة مع إسرائيل باعتبارها الحليف الاستراتيجي المقرب من الولايات المتحدة.

5- نالت الانتقادات التي وجهها ترامب لـ"الربيع العربي" وما خلفه من نتائج اهتمام الدوائر الليبرالية الأمريكية، حيث اعتبر أن سياسات "أوباما" و"هيلاري كلينتون" هي التي أفضت إلى حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وفي هذا الإطار اعتبرت الدوائر الليبرالية أن قضايا حقوق الإنسان والأوضاع الداخلية في دول الشرق الأوسط لن تحتل اهتمامًا يُذكر على أجندة "ترامب" الخارجية.

الملامح العامة لسياسات الإدارة القادمة في الشرق الأوسط:

من العرض السابق لرؤية "ترامب" لقضايا وأزمات المنطقة خلال السباق الانتخابي، يمكن توقع ملامح السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة "ترامب" تجاه منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأربع القادمة، وإن كان هذا سيتوقف بصورة رئيسية على مساعديه وأعضاء إدارته ومواقفهم من تطورات المنطقة.

وتتمثل أهم الملامح المتوقعة للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس المنتخب "دونالد ترامب" تجاه منطقة الشرق الأوسط في الآتي:

أولا- السعي لإلغاء الاتفاق النووي وإنهاء سياسة التقارب مع النظام الإيراني: حيث ترتكز السياسات التي أعلنها "ترامب" خلال حملته الانتخابية تجاه إيران على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى العمل على إلغاء الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة (5+1) مع طهران والذي أنهى أزمة البرنامج النووي الإيراني. والركيزة الثانية، النظر إلى إيران باعتبارها دولة راعية للإرهاب تعمل على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، ودعم التنظيمات المسلحة مثل الحوثيين وحزب الله والمليشيات الشيعية في العراق، والذي من شأنه إنهاء سياسة التقارب مع النظام الإيراني التي تبناها الرئيس "باراك أوباما".

وانطلاقًا من هذا الطرح، وتمتع حزب الرئيس المنتخب (الحزب الجمهوري) بالأغلبية في مجلسي الكونجرس (مجلس النواب والشيوخ) فمن المتوقع أن تشهد العلاقات الأمريكية-الإيرانية عودة إلى مرحلة التوتر السابقة على توقيع الاتفاق النووي الإيراني الذي قلل من التوتر في العلاقات بينهما مع التقارب الأمريكي مع إيران، وتقليل نمط العداء. وتتمثل المؤشرات الأولية لهذا التوتر في موافقة الكونجرس في 15 نوفمبر الجاري على مشروع قرار لتمديد العقوبات على إيران لعشر سنوات، وعدم إلغائها بموجب الاتفاق، كما صوت الكونجرس في 17 من الشهر ذاته على مشروع قرار من شأنه تعطيل صفقة الطائرات التي كانت إيران تسعى لشرائها من شركة "بوينج" الأمريكية.

ثانيًا- التخلي عن دعم المعارضة السورية المعتدلة وموقف مرن تجاه الأسد: تبلورت السياسات التي أعلنها ترامب بخصوص الأزمة السورية خلال حملته الانتخابية في أربعة محاور رئيسية، هي:

1- عدم قناعته بالسياسات الأمريكية المتعلقة بدعم المعارضة السورية المعتدلة؛ حيث يرى أنه من الصعوبة بمكان تحديد من هي المعارضة المعتدلة، وأن البرامج التي خصصتها إدارة "أوباما" للإنفاق على المعارضة المعتدلة وتسليحها أثبتت فشلها. وفي هذا الإطار يتوقع أن تعمل إدارة ترامب على إلغاء أو تعديل البرامج التي ينفذها البنتاجون ووزارة الخارجية الأمريكية المتعلقة بدعم وتسليح المعارضة السورية المعتدلة وتدريبها، لكن من المبكر معرفة كيف سيتم ذلك، خاصة وأنه من غير الواضح كيف ستعمل إدارة ترامب على مواجهة داعش في سوريا دون العمل مع المعارضة.

2- يتبنى ترامب موقفًا من الرئيس بشار الأسد يختلف عن إدارة أوباما، حيث يرى أن المشكلة الرئيسية في سوريا تكمن في التنظيمات الإرهابية المتطرفة، خاصة تنظيم داعش وجبهة النصرة، وليس الرئيس الأسد. وبناءً على هذا التصور، لا يرى ترامب في مسألة تنحي الأسد أو ضرورة رحيله من السلطة أولوية قصوى، كما تبنت إدارة أوباما. ولذا، يُتوقع أن تتبنى إدارة ترامب موقفًا مرنًا من الرئيس السوري بشار الأسد، وفي ظل احتمالات التوافق مع الجانب الروسي من غير المستبعد أن يستمر الأسد في الحفاظ على المكاسب التي حققها على الأرض بعد التدخل الروسي.

3- على عكس إدارة أوباما، فإن ترامب يرى أن هناك إمكانية للتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث يعتبر أن سوريا تعد أحد الملفات الرئيسية التي يمكن التعاون فيها مع الرئيس الروسي، وخلال الحملة الانتخابية أكد ترامب أكثر من مرة أن بوتين أذكى من أوباما، وأنه يمتلك أوراق قوة في سوريا أكثر من الأخير. وفي ضوء ذلك، لا يستبعد حدوث تقارب بين إدارة ترامب والرئيس الروسي (بوتين) في الملف السوري، لكن من المبكر جدًّا معرفة حجم التوافق الذي سيحدث بين الجانبين بشأن ملفات الأزمة السورية، أو حتى معرفة أجندة التفاوض التي يمكن أن تُطرح بشأن الوضع في سوريا باستثناء التوافق على استهداف تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى مثل جبهة النصرة. ومع افتراض التزام ترامب بتعهداته الانتخابية بشأن الوضع في سوريا، فمن المبكر أيضًا معرفة كيف ستتحرك إدارة ترامب لفرض منطقة آمنة لحماية المدنيين السوريين، وكيف سيتم التفاوض بشأن هذه المنطقة مع الجانب الروسي، وما هي رؤية الجانب الروسي لهذا الطرح؟.

4- فيما يتعلق بالسياسات المرتبطة باللاجئين السوريين، أعلن ترامب خلال الحملة الانتخابية أنه على استعداد لفرض منطقة حظر طيران فوق سوريا لحماية المدنيين السوريين، وتوفير منطقة آمنة لهم، بما يمنع تدفق اللاجئين إلى الخارج. وفي ضوء ذلك ربما ستكون إدارة ترامب أكثر حسمًا فيما يتعلق بمسألة اللاجئين، ولذا فإنها قد تعمل على إلغاء أو تقويض البرنامج الذي أعلنته إدارة أوباما بشأن استقبال عدد من اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثًا- التعامل مع العراق في إطار الحرب ضد داعش: من غير الواضح بشكل كافٍ ما هي السياسات التي ستتبناها إدارة ترامب للتعامل مع الوضع في العراق، وهل ستعمل على إعادة التفاوض على الاتفاق الأمني مع الحكومة العراقية، وكيف ستتعامل مع النفوذ الإيراني في العراق، لكن المحتمل أن سياسات التعامل مع العراق سوف تركز على مكافحة تنظيم داعش.

ومع تسلم إدارة ترامب فعليًّا السلطة في العشرين من يناير المقبل تكون القوات العراقية -مدعومة أمريكيًّا- قد قطعت شوطًا فيما يتعلق بتحرير الموصل، لكن السؤال المحوري هل ستُواصل إدارة ترامب العمل العسكري ضد داعش في العراق بنفس الوتيرة، أم ستقوم بتسريعه، خاصةً أن ترامب وعد خلال حملته بالعمل على تعيين عسكريين لديهم قدرة وكفاءة أعلى من العسكريين الحاليين في البنتاجون.

رابعًا- إيران كعامل محدد للتعامل مع اليمن: لم تحظَ الحرب في اليمن بطرحٍ واضحٍ من ترامب بشأن كيفية التعامل معها، والإشارات التي رددها ترامب عن اليمن، سواء في المناظرات الانتخابية أو في بعض المناسبات، ركزت على أن إيران تسعى للسيطرة على اليمن. فعلى سبيل المثال في كلمته أمام المؤتمر السنوي للجنة العامة للشئون الأمريكية الإسرائيلية "إيباك" في 21 مارس 2016، قال: "إيران مشكلة في العراق، وفي سوريا، ولبنان، إنها مشكلة في اليمن، وستكون مشكلة رئيسية جدًّا للسعودية".

في إطار ما سبق ورغم أنه من المبكر تحديد ملامح سياسات إدارة ترامب تجاه الحرب في اليمن، فمن المحتمل أن تخضع للحسابات المرتبطة بكيفية التعامل مع نفوذ إيران في المنطقة الذي لا ترغب إدارة ترامب في أن يتمدد لدرجة تؤثر على المصالح الأمريكية.

خامسًا- الدعوة إلى مؤتمر دولي لتحديد كيفية التعامل مع داعش: ارتكزت السياسات التي أعلنها ترامب خلال حملته الانتخابية فيما يتعلق بالقضاء على تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة على التعاون مع الدول الحليفة في المنطقة في إطار تشكيل تحالف للقضاء على داعش، وتجفيف منابع تمويله ودعايته المضادة.

وفي هذا الإطار، أكد ترامب في ورقة السياسات الرئيسية المنشورة على موقع حملته الانتخابية بعنوان "فهم التهديد: الإسلام الراديكالي، وعصر الإرهاب" Understanding The Threat: Radical Islam And The Age Of Terror أنه سيدعو لمؤتمر دولي بشأن التعامل مع داعش، وسيعمل مع الدول الحلفاء في المنطقة، خاصة إسرائيل والأردن ومصر، وكذلك حلف الناتو الذي سيعمل على دفعه للعب دور في مواجهة داعش. وفي هذا الإطار يتوقع أن تتبنى إدارة ترامب في تعاملها مع ملف داعش نفس سياسات إدارة أوباما مع تغييرات تتعلق بتسريع الإجراءات والآليات، هذا مع الوضع في الاعتبار احتمالات تراجع ترامب عما أعلنه خلال المناظرة التي جرت بين المرشحين في الحزب الجمهوري يوم 12 مارس 2016 عن ضرورة إرسال قوات عسكرية أمريكية قوامها ما بين 20 إلى 30 ألف جندي. 

سادسًا- عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية: استنادًا إلى خطاب "ترامب" أمام "إيباك" خلال مؤتمرها السنوي هذا العام، يتوقع أن تشهد السياسة التي ستتبناها إدارة ترامب تجاه إسرائيل وعملية السلام مع الفلسطينيين تغييرًا عن تلك التي اتبعتها إدارة أوباما، وأول تغيير محتمل قد نشهده أن عملية السلام بين الجانبين ستعود إلى مقدمة المشهد الاستراتيجي في المنطقة بعدما ظلت سنوات مهملة بفعل تأثيرات "الربيع العربي". لكن من المبكر القول متى سوف تستثمر الإدارة الجديدة جهدًا دبلوماسيًّا في إحياء عملية السلام، من جهة أخرى قد يكون من السابق لأوانه الحكم على الكيفية التي سيكون فيها الوسيط الأمريكي محايدًا في عملية السلام بين الطرفين، وكذلك أيضًا معرفة ما إذا كانت إدارة ترامب ستعمل فعليًّا على تنفيذ تعهداتها الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس أم لا.

خلاصة القول.. مع تولي إدارة ترامب مهامها رسميًّا يوم 20 يناير المقبل، من المرجح أن تتبنى تلك الإدارة في تعاملها مع الشرق الأوسط سياسات تختلف في جزء كبير منها عن سياسات إدارة أوباما، خاصةً فيما يتعلق بإيران وسوريا وعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، لكن سياستها تجاه قضايا العراق واليمن وداعش ربما تسير في نفس وتيرة سياسات أوباما مع بعض الاختلافات النسبية.