أخبار المركز
  • مركز "المستقبل" يُطلق نسخة جديدة لموقعه الإلكتروني
  • تنظيم حلقة نقاش عن العلاقات الأمريكية - الصينية بحضور د. كريم القاضي، باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية في كلية فليتشر الأمريكية
  • كتاب جديد صادر عن مركز المستقبل بعنوان (جيوبوليتيك الغاز: مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في القرن الحادي والعشرين)
  • مركز المستقبل يصدر العدد 34 من دورية "اتجاهات الأحداث"
  • أصدر مركز "المستقبل" كتاباً جديداً بعنوان (الحرب الروسية – الأوكرانية.. عودة الصراعات الكبرى بين القوى الدولية)

تحديات قائمة:

هل نجح الرئيس الأمريكي في توحيد أوروبا ضد موسكو؟

07 أبريل، 2022

image

تأخذ الجولة الأوروبية التي قام بها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في مارس 2022، بُعداً استثنائياً وطارئاً، وذلك في ظل دخول حرب روسيا على أوكرانيا شهرها الثاني وسط تفاقم التداعيات والسياسية والاقتصادية لحرب تُعد الأخطر والأوسع في أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف أربعينيات القرن الماضي. 

وشملت جولة الرئيس الأمريكي محادثات في بروكسل، على هامش قمتين طارئتين لحلف شمال الأطلسي وقادة مجموعة السبع، فضلاً عن قمة المجلس الأوروبي، وكذلك زيارة إلى بولندا لإجراء مشاورات مع الرئيس البولندي، أندريه دودا، بالإضافة إلى تفقد بايدن القوات العسكرية الأمريكية المنتشرة في الجناح الشرقي لحلف الناتو.

زيارة بايدن لأوروبا:

ثمة أسباب وراء جولة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أوروبا على خلفية الأزمة الأوكرانية، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

1- توحيد الغرب ضد روسيا والصين: يتلخص الهدف العام من جولة بايدن الأوروبية في تعزيز وحدة الدول الغربية، وزيادة العقوبات على روسيا لشنّها عمليات عسكرية ضد أوكرانيا. وانعكس ذلك في تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، والذي قال قبل يوم من زيارة بايدن إلى بروكسل: "يتوجه الرئيس إلى أوروبا لضمان أن نبقى متحدين".

كما ترغب الإدارة الأمريكية في التأثير على الموقف الأوروبي من الصين، وذلك عبر الادعاء أن بكين قامت بدعم روسيا عسكرياً ضد أوكرانيا، ومحاولة استصدار مواقف من الدول الأوروبية تنتقد بكين. وعلى هذا النحو، ذهب بايدن للتشاور والتنسيق مع الأوروبيين، قبل قمتهم مع الصين في الأول من أبريل، حول مسألة مشاركة الصين المحتملة في نزاع أوكرانيا.

وتتضح المساعي الأمريكية من توصيف بايدن للصراع، فقد أكد خلال زيارته أوروبا أنه صراع مستمر بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية، ويمكن أن يستمر لعقود، كما قال في خطابه في وارسو إنه "يجب أن نلتزم الآن بالمشاركة في هذه المعركة على المدى الطويل"، وهو ما يعني أن بايدن يتجه لتوظيف الصراع الأوكراني من أجل توحيد الغرب في معركة واشنطن الطويلة ضد روسيا والصين. 

2- تأكيد قيادة واشنطن للغرب: يُنظر إلى القمم الثلاث التي حضرها بايدن على أنها فرصة للولايات المتحدة الأمريكية لتأكيد قيادتها للعالم الغربي. فمن خلال هذه الزيارة الأوروبية الطارئة، يسعى بايدن ليؤكد للأوروبيين أن واشنطن ستبقى الضامن النهائي للأمن الأوروبي، والمدافع الأول عن المنظومة الغربية، بما فيها قيم الديمقراطية والسلام في مواجهة الأنظمة الاستبدادية القمعية، التي تسعى، وفقاً للمزاعم الأمريكية، إلى اتباع سياسة حافة الهاوية النووية، في إشارة إلى موسكو.  

3- تعزيز قوة التحالف الأطلسي: كانت العلاقات عبر الأطلسي فاترة خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب. وتسببت العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا في توحيد القوى الغربية من جديد.

وجاءت هذه الزيارة لتعزيز حلف الأطلسي، في مواجهة موسكو. ووضح ذلك في اتجاه الدول الأوروبية للإعلان عن زيادة إنفاقها العسكري إلى حوالي 2% من الناتج القومي الإجمالي، وهو مطلب أساسي لواشنطن على مدار سنوات، غير أن الدول الأوروبية كانت تعمد إلى تجاهله، نظراً لتركيزهم على تنمية مصالحهم التجارية وتطوير أنظمة بلادهم الصحية. 

4- دعم جبهة الناتو الشرقية: تشعر دول أوروبا الشرقية بأنها الأكثر شعوراً بالتهديد، نظراً لقربها من الحدود الأوكرانية، ولذلك أراد بايدن خلال زيارته الأوروبية أن يبعث رسالة إلى شرق أوروبا بأن الولايات المتحدة تعتبر البند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي الخاصة بالدفاع المشترك "واجباً مقدساً"، وبالتالي، لا يمكن أن تتخلى واشنطن عن حلفائها في شرق أوروبا. 

ولذلك زار بايدن بولندا، رأس الحربة ضد موسكو في النزاع الدائر في أوكرانيا، بسبب تورطها في دعم كييف بالأسلحة والمقاتلين، وهو الأمر الذي يثير المخاوف لديها من إمكانية تعرضها لضربات روسية انتقامية. ولذلك أكد بايدن أن "بولندا تتحمل مسؤولية مهمة، وأنه لا يجب أن تكون بولندا فقط، بل هي مسؤولية الدول الأعضاء بالناتو كافة".

نتائج متفاوتة للزيارة:

يلاحظ أن زيارة بايدن إلى أوروبا قد خرجت بنتائج متفاوتة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي: 

1- فشل التوافق على فرض عقوبات: أكد بايدن أن هدف زيارته هو تعزيز الوحدة بين الناتو والاتحاد الأوروبي والدول الصناعية الكبرى، غير أنه أخفق في التوصل لتوافق أمريكي – أوروبي بشأن فرض عقوبات جديدة على روسيا. 

فقد أعلنت واشنطن فرض عقوبات على 328 عضواً من مجلس الدوما الروسي المؤلف من 450 مقعداً، فضلاً عن عزل 48 شركة دفاع وعتاد روسية عن التكنولوجيا والتمويل الغربيين، غير أن قمة المجلس الأوروبي في اليوم ذاته، فشلت في الاتفاق على فرض عقوبات إضافية ضد روسيا، على الرغم من حضور الرئيس الأمريكي القمة. ويرى المحللون أن عدم فرض عقوبات أوروبية موازية لنظيرتها الأمريكية يأتي انعكاساً لقلق بعض الدول في الاتحاد الأوروبي من تداعيات هذه العقوبات على الاقتصاد الأوروبي ذاته.

2- صعوبة التخلي عن الطاقة الروسية: أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن تشكيل فريق عمل في 25 مارس الجاري لتقليل اعتماد أوروبا على النفط والغاز الروسي، كما أعلن البيت الأبيض أن واشنطن ستمد أوروبا بما لا يقل عن 15 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في عام 2022، بالشراكة مع دول أخرى.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك ألمانيا، لا تزال عاجزة عن تعويض الغاز الروسي، إذ إنه لا يمكن التخلص منه إلا بعد خمس سنوات على أقل تقدير، كما أن البديل للغاز الروسي سوف يكون ثمنه مرتفعاً للغاية وهو ما سيترتب عليه ارتفاع أسعار الطاقة، بما يؤثر سلباً على فرص نمو الاقتصاد الألماني.

وفي حين أن برلين تسعى لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي مستقبلاً، فإنه يلاحظ أن هناك دولاً أخرى ترفض ذلك، مثل المجر، والتي لم تتبن أي إجراءات لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، بل وهاجم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في 26 مارس، حينما طلب منه الأخير دعم أوكرانيا بشكل أكبر، والتخلي عن الطاقة الروسية، إذ رد عليه أوربان مؤكداً أن بلاده "تدافع عن مصالحها الوطنية وتقف إلى جانبها فقط"، كما أكد له أن المجر لا تريد العوم كمرؤوس إلى جانب الدول الأخرى الكبيرة أو ذات النفوذ، في توبيخ ضمني لأوكرانيا، وتحميلها المسؤولية عن الأزمة الراهنة مع روسيا.

3- تصعيد بايدن غير المبرر: بدا بايدن أقل قدرة على التحكم في انفعالاته بسبب الصراع الأوكراني، وهو ما تسبب في تصاعد المخاوف الأوروبية من تصريحاته، وصولاً إلى انتقادها بشكل واضح، ليس فقط في الصحافة الأوروبية المعادية لبوتين، ولكن كذلك مع بعض المسؤولين الأوروبيين.

فقد أضاف بايدن في نهاية خطابه في وارسو سطراً يشير إلى أنه يدعو إلى تغيير النظام في روسيا؛ حيث قال إنه "بحق الله، لا يمكن لهذا الرجل أن يبقى في السلطة"، وهي التصريحات التي سعى البيت الأبيض ووزارة الخارجية لتوضيحها عبر التأكيد أن واشنطن لا تسعى للإطاحة ببوتين، وذلك على الرغم من أن تصريحات بايدن كانت واضحة ولا لبس فيها.

كما قال بايدن خلال مؤتمر صحفي في بروكسل إن الولايات المتحدة سترد "بالمثل" إذا استخدمت روسيا أسلحة كيماوية في أوكرانيا، الأمر الذي دفع مستشار الأمن القومي الأمريكي لمحاولة تخفيف مدلول هذا التصريح، عبر تأكيد أن بايدن يُقصد به أن الولايات المتحدة ستختار شكل وطبيعة الرد بناءً على طبيعة الإجراء الذي تتخذه روسيا، ونافياً في الوقت ذاته أن يكون لدى واشنطن نية لاستخدام الأسلحة الكيماوية تحت أي ظرف من الظروف.

ولا شك أن مثل هذه التصريحات، غير المنضبطة، قد تهدد بتصعيد الصراع، ولذلك دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التحلي بضبط النفس قولاً وفعلاً، مؤكداً "أن هدف بلاده وقف الحرب التي شنّتها روسيا في أوكرانيا من دون تصعيد". وقد أظهر هذا الموقف تبايناً في الموقف الأوروبي حيال روسيا، خاصة مع تسريبات الصحافة البريطانية عن وجود مخاوف لدى لندن بأن تتوصل فرنسا وألمانيا لاتفاق ضعيف مع بوتين حول أوكرانيا. 

4- ضمانات أمريكية غير مسبوقة إلى بولندا: أصبحت بولندا حليفاً مهماً للولايات المتحدة، فهي تستضيف الآلاف من القوات الأمريكية، وتستقبل ملايين اللاجئين الأوكرانيين وتوفر طريق إمداد رئيسياً لنقل الأسلحة إلى أوكرانيا. 

وخلال اليومين اللذين قضاهما الرئيس الأمريكي في بولندا، بذل جهوداً لطمأنة وارسو بأن الولايات المتحدة ستقدم مليار دولار إضافي للاجئين. كما تعهد بايدن بالدفاع عن بولندا عسكرياً، كعضو في حلف شمال الأطلسي، إذا هاجمت روسيا أراضيها.

وفي الختام، تكشف زيارة بايدن إلى أوروبا عن مساعيه لتوحيد أوروبا استعداداً للحرب الباردة الجديدة ضد روسيا والصين، والتي ربما ستستمر لعقود، غير أنه من الواضح أن واشنطن سوف تواجه تحديات في هذا الإطار، خاصة إذا ما نجحت الجهود الدبلوماسية لتسوية الصراع، إذ لا يبدو أن الأوروبيين مستعدون للتحوّل عن إمدادات الطاقة الروسية بشكل كامل، أو التصعيد مع روسيا، ولذا يرون أن مبدأ الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ربما يكون الأفضل لتفادي حرباً أكثر اتساعاً في أوروبا.